محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لأنهم لو وفقوا لفهم بعض ذلك فهدوا للاعتبار به اتعظوا وأنابوا إلى الحق ، وذلك غير كائن منهم ، لأنه جل ثناؤه قال : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها فلا تبديل لكلمات الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يقول تعالى ذكره : وإن هؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق . وتكبرهم فيها بغير الحق : تجبرهم فيها ، واستكبارهم عن الإيمان بالله ورسوله والإذعان لأمره ونهيه ، وهم لله عبيد يغذوهم بنعمته ويريح عليهم رزقه بكرة وعشيا . كُلَّ آيَةٍ يقول : كل حجة لله على وحدانيته وربوبيته ، وكل دلالة على أنه لا تنبغي العبادة إلا له خالصة دون غيره . لا يُؤْمِنُوا بِها يقول : لا يصدقوا بتلك الآية أنها دالة على ما هي فيه حجة ، ولكنهم يقولون : هي سحر وكذب . وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يقول : وإن ير هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذي إن سلكوه نجوا من الهلكة والعطب وصاروا إلى نعيم الأبد لا يسلكوا ولا يتخذوه لأنفسهم طريقا ، جهلا منهم وحيرة . وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يقول : وإن يروا طريق الهلاك الذي إن سلكوه ضلوا وهلكوا . وقد بينا معنى الغي فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يقول : يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقا لصرف الله إياهم عن آياته وطبعه على قلوبهم ، فهم لا يفلحون ولا ينجحون . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يقول تعالى ذكره : صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها ويفهموها ، فيعتبروا بها ويذكروا فينيبوا عقوبة منا لهم على تكذيبهم بآياتنا ، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يقول : وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة على حقية ما أمرناهم به ونهيناهم عنه ، غافلين لا يتفكرون فيها ، لاهين عنها لا يعتبرون بها ، فحق عليهم حينئذ قول ربنا ، فعطبوا . واختلف القراء في قراءة قوله : الرُّشْدِ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض المكيين وبعض البصريين : الرُّشْدِ بضم الراء وتسكين الشين . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة وبعض المكيين : " الرشد " بفتح الراء والشين . ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه ، وفيه إذا فتحتا جميعا . فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : معناه إذا ضمت راؤه وسكنت شينه : الصلاح ، كما قال الله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً بمعنى : صلاحا وكذلك كان يقرؤه هو ومعناه إذا فتحت راؤه وشينه : الرشد في الدين ، كما قال جل ثناؤه : تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً بمعنى الاستقامة والصواب في الدين . وكان الكسائي يقول : هما لغتان بمعنى واحد ، مثل : السقم والسقم ، والحزن والحزن ، وكذلك الرشد والرشد . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضة القراءة بهما في قراءة الأمصار متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب بها . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : هؤلاء المستكبرون في الأرض بغير الحق ، وكل مكذب حجج الله ورسله وآياته ، وجاحد أنه يوم القيامة مبعوث بعد مماته ، ومنكر لقاء الله في آخرته ، ذهبت أعمالهم فبطلت ، وحصلت لهم أوزارها فثبتت ، لأنهم عملوا لغير الله وأتعبوا أنفسهم في غير ما يرضى الله ، فصارت أعمالهم عليهم وبالا ، يقول الله جل ثناؤه : هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول : هل ينالون إلا ثواب ما كانوا يعملون ، فصار ثواب أعمالهم الخلود في نار أحاط بهم سرادقها ، إذ